top of page
  • Writer's pictureMuhannad Sarhan

سفر المكتبة

كان اليوم يوماً سعيداً. بل واحداً من اسعد أيام هذا الأسبوع. اذ إنني بعد انتقالي الى شقتي الجديدة، اتشوق جداً لفتح هذه الصناديق الثلاث. كل صندوق منها يحوي جزءاً مني .. من عائلتي واطفالي. ويحوي جزءا من طلابي وشعبي. هذه الصناديق الثلاث تحتوي كتبي.


أقوم بهذا الطقس الاحتفالي منذ سنين. بدأته اول مرة حين انتقلت من بغداد الى حلب. كانت مكتبتي في بغداد قد بدأت بالنمو، ولكن لم تزل مكتبة قارئ مبتدئ. احتوت على الكثير من الكتب الدينية، بل انها نادرا ما احتوت على كتب غير كتب الدين. كنت اقرأ وقتها كتباً مثل الرحيق المختوم للمباركفوري وزاد المعاد لابن القيم ولا تحزن لعائض القرني. كنت قد قرأت قبلها وبعدها، ولكن لم تكن كتبي او مكتبتي. كانت قراءتي في أي كتاب وجدته في مكتبة جدي وابي الممتدة على ثلاثة جدران في "غرفة الكومبيوتر" في بيت العائلة في بغداد، كما كانت تسمى.


اخذت مكتبتي الصغيرة معي الى حلب. لم تزد على خمسة عشر كتاباً. وداومت على تكبيرها وتنشئتها، وداومت على تنشئتي انا أيضا. كنت أدرك بدون الكثير من التحليل ان هذه الكتب ستتحول لتكون فكرة افكرها، وجملة اقولها، ونصيحة اهديها لروح تائهة تنتظر الدليل. كانت هذه المكتبة طريقي للتواصل مع الشيخ عبد الأعلى العلبي. رجل دين طيب وكبير في السن، عطوف ومعطاء ويحب القراءة. من اهل الله كما نحب ان نسميهم، مع انه في أيامه كان احد قضاة مدينة حلب. كان يعطيني عناوين كتب لأقرأها، وكنت اضيفها لهذه المكتبة مع كتب أخرى. قبل ان اترك جزء منها في حلب، واحمل نصفها في حقائب سفري الى دبي، وجهتي التالية.


غيرتني دبي بدون رغبة مني، وغيرت مكتبتي وانمتها لدرجة كبيرة. بدأت أفكر في القراءة بالمسطرة والفرجال. سألت الدكتور قاسم رنديري، أستاذ إدارة الاعمال في الجامعة البريطانية في دبي عن نصيحة. اردت ان اتعلم كيف أحسن من كتابتي لارسال الايميلات باللغة الانكليزية. ظننت انه سيخبرني ان ادخل دورة لتحسين الإنكليزية للأعمال. قال لي "الكاتب الجيد هو القارئ الجيد"، ولم اعِ اهمية تلك النصيحة في وقتها. مضيت مسرعاً لأستعير من المكتبة كتباً باللغة الإنكليزية تساعدني في تحسين كتابتي. كان الكتاب الأول هو توايلايت، اقرأه بيد وفي اليد الأخرى القاموس اتعلم منه معاني الكلمات. توالت بعدها الكتب باللغة الإنكليزية التي كانت تفيدني وتمتعني. بدأت مكتبتي تكبر وأصبحت عدداً من الرفوف التي أصف فيها مختلف العناوين. كانت الكتب مختلفة وفيها الكثير من كتب التطوير وعلم النفس وبعض الروايات. قرأت لمارتن سليكمان وفكتور فرانكل وخالد حسيني.


بدأت انتبه لأهمية القراءة واهمية الكتب في حياتي. أصبحت اريد ان اعود لأيام طفولتي، حين لم اعرف السوشل ميديا او الاتاري او الكثير من الأصدقاء. حين كانت القراءة عندي ادماناً لم اعرف غيره. بدأت احادث أصدقائي في أهمية القراءة، وماذا نقراً وماذا يقرأون. أصبحت الكتب جزءاً لا يتجزأ من عملي، حيث يتعين على إعطاء النصائح بخصوص افضل الكتب لتطوير الموظفين والقادة. ولم أستطع ان انصح بكتب لم اعرف مكنوناتها وخباياها. ولذلك كنت اقرأ واقرأ. واذهب للمكتبات واشتري الكتب باللغتين، واكنزها كتاباً فوق كتاب وفي تلك المكتبة التي لم تعد تتسع لشغفي.


وجاء اليوم الذي كنت سأترك فيه دبي، وكنت اعلم ان طقس الفصل ذاته سيحدث مرة أخرى. لا أستطيع حمل كل هذه الكتب معي الى وجهتي الجديدة، كما انني لا اريد ان احمل كل شيء معي. كنت قد اخذت قرارات خاطئة بخصوص بعض الكتب التي لا حاجة لها. وافترشت كتبي سجادة انظر خلالها بحب وفخر وتفاؤل الى المستقبل. واخذت اسقطها واسأل صديقي حسن عن أي الكتب يريد. حملت مكتبتي في صندوقين ارسلتهما مرسالين الى مدينة نورفولك في فيرجينيا في الولايات المتحدة. وتركت نصفي هناك في دبي، مع أصدقائي ومع المستفيدين منها. اخذت معي ستيفن كوفي وديل كارنيجي. اخذت كتب سعداوي وسعود السنعوسي وخالد حسيني.


في الولايات المتحدة، أصبحت مكتبتي مترعة بالكتب، منها الممنوعة والغير مألوفة والمارقة. كتب تتحدث عن الثورات والحريات والحقوق. وكتب تتحدث عن عجائب الدنيا التي لا نعلم بوجودها في عالمنا العربي. أصبحت أكثر كتبي باللغة الإنكليزية وكذلك تفكيري. كان من الصعب الحصول على العناوين العربية، الا عند ذهابي في رحلة عمل الى الرياض او سمعت عن قادمين من العراق. وكبرت مكتبتي لتصبح أربع صناديق كاملة، وبدأت الحظ تأثير القراءة والكتب في عيون الآخرين. بدأت اسمع كلمات المديح لمنطقي واختياري للكلمات. وبدأت اناقش وأتساءل وافوز في المناظرات غير المخطط لها. بدأت أؤمن ان استثماري في هذه المكتبة – مع انها تحوي الكثير من الكتب التي لم تمس بعد – هو افضل استثمار قمت به. اضطررت مرة أخرى لان امارس طقس الفصل المحزن والمفرح في نفس الوقت. جلست وافترشت الكتب عرشا ذهبياً انظر منه مرة أخرى بحب وتفاؤل للمستقبل، وطرحت عني نصف مكتبتي وجمعت الباقي في صندوقين بانتظار ان ارسلهم.


والآن اجلس لأقرأ مقالاً تافهاً لحسن بلاسم. يحوي الكثير من السباب غير المبرر، ولكن نصيحته ان نكتب. نكتب عن أي شيء وكل شيء.. وحتى عن المراحيض. اجلس وانا أفكر في طقس افتتاح هذه الصناديق والنظر مرة أخرى الى داخل نفسي حين ارص هذه الكتب في مكتبتي في الرياض. سافرح مجدداً وانا أقوم بهذا الطقس بعد أيام. سأنظر لها بعين الرضا والحب وانا أرى قطعا من نفسي الحالية والسابقة والقادمة ستقف شامخة على رفوف مكتبتي.



ملاحظة: لا انصح بقراءة الكتاب الظاهر في الصورة ابداً.


٢٠ فبراير ٢٠٢٣ – سان دييغو، كاليفورنيا

65 views0 comments

Recent Posts

See All

Ritual

I open my bottle Enter my headset Start my music Melancholy playlist Pink Floyd, Bu Kulthom take me away Tears are gathering at the onset...

Comments


bottom of page